أَلَا بَلِّغَا الْأَحْيَاءَ حَضْرًا وَبَادِيَا
بِأَنِّي أَنَا ذَاكَ الْفَتَى الْيَمَانِيَا
صَبُورٌ عَلَى مُرِّ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا
وَمَا كُنْتُ يَوْمًا لِلنَّوَائِبِ بَاكِيَا
وَإِذْ مَا تَرَانِي فِي الْوَغَى خِلْتَ أَنَّنِي
هِزَبْرٌ عَلَى صَيْدِ الْفَرَائِسِ عَادِيَا
وَطَعَّانُ أَقْرَانٍ إِذَا الْقَوْمُ أَدْبَرُوا
وَفَرُّوا سِرَاعًا يَلْجَؤُونَ وَرَائِيَا
وَأُورِدُ أَطْرَافَ الرِّمَاحِ صُدُورَهُمْ
وَأُرْجِعُهَا حُمْرًا تُبِيدُ الْأَعَادِيَا
وَتُخْبِرُكَ الأَيَّامُ أَنَّ مَكَانَتِي
تَنُوءُ بِهَا شُمُّ الْجِبَالِ رَوَاسِيَا
وَرَثْتُ سَنَامَ الْمَجْدِ كَهْلًا وَيَافِعًا
وَطُلْتُ نُجُومَ اللَّيْلِ فَخْرًا مُعَالِيَا
أَهُشُّ لِرِيحِ المَوْتِ إِنْ هَبَّ نَفْحُهُ
كَأَنِّي بِهِ أَسْتَنْشِقُ المِسْكَ غَالِيَا
إِذَا صَاحَ نَاعِي المَوْتِ لَبَّيْتُ قَصْدَهُ
كَأَنَّ رِمَاحَ الْقَوْمِ كَانَتْ غَوَانِيَا
وَمَا كُنْتُ أَرْضَى غَيْرَ حَرْبٍ مَنَازِلًا
أَرَى سَاحَةَ الْهَيْجَاءِ رَبْعًا وَنَادِيَا
وَأَخْلَصْتُ لِلْعَضْبِ الْحُسَامِ مَوَدَّتِي
فَنِعْمَ خَلِيلُ الرَّوْعِ سَيْفًا يَمَانِيَا
سَقَانِي قَضَاءُ اللَّهِ مُرَّ كُؤُوسِهِ
فَلَمْ أَجْزَعَنْ يَوْمًا وَلَمْ أَكُ شَاكِيَا
وَمَا الدَّهْرُ إِلَّا غَادِرٌ بِكَرِيمِهِ
فَأَصْبَحْتُ مَكْبُولًا وَفِي السِّجْنِ ثَاوِيَا
تَخَلَّى عَنِ الْعَهْدِ الصَّدِيقُ لِحَاجَةٍ
وَلَمْ أَرَ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي بُوَاقِيَا
فَلِلَّهِ دَرُّ الْمَاجِدَاتِ حَنَانُهُنْ
يُبَدِّدُ عَنِّي فِي الْقُيُودِ الدَّوَاجِيَا
وَلِلَّهِ دَرُّ النِّسْوَةِ الْغُرِّ حِينَمَا
دَعَوْنَ عِشَاءً وَالْفَتَى بَاتَ عَانِيَا
فَهُنَّ الْكِرَامُ الطَّيِّبَاتُ وَإِنَّهُنْ
بَنَاتُ الْكِرَامِ الشُّمِّ فَخْرًا وَعَالِيَا
بَكَى قُفْلُ سِجْنِي يَوْمَ حَلَّ وِثَاقِيَا
كَأَنَّ حَدِيدَ الْقَيْدِ يَرْثِي لِمَا بِيَا
خَرَجْتُ مِنَ الْأَصْفَادِ شَوْقِي يَقُودُنِي
إِلَى ظِلِّكَ الضَّافِي لِأَنْسَى الْمَآسِيَا
لِأَجْبُرَ مَا قَدْ فَاتَ مِنْ بِرِّ وَالِدٍ
وَأُبْرِئَ جُرْحَ الْفَقْدِ بِالْوَصْلِ شَافِيَا
فَوَاحَسْرَتِي أَلْفَيْتُ قَبْرَكَ صَامِتًا
وَسَهْمُ الرَّدَى قَدْ حَزَّ فِي الْقَلْبِ قَاسِيَا
لَقَدْ بَانَ عَنِّي صَالِحٌ طَوْدُ عِزِّنَا
وَأَوْرَثَنِي حُزْنًا عَلَى الدَّهْرِ بَاقِيَا
تَذَكَّرْتُ نُصْحًا مِنْكَ كَانَ مُوَجِّهِي
إِذَا مَا ادْلَهَمَّ الْخَطْبُ وَاشْتَدَّ عَاتِيَا
هُوَ السَّيْفُ إِنْ كَلَّتْ سُيُوفُ عَشِيرَةٍ
وَكَانَ لِمَنْ رَامَ الْعُلَى خَيْرَ هَادِيَا
كَثِيرُ رَمَادِ النَّارِ يَوْمَ مَجَاعَةٍ
وَبَحْرُ عَطَاءٍ لَمْ يُغَادِرْهُ صَادِيَا
حَمِيدُ الْمَسَاعِي لَا يُذَمُّ جِوَارُهُ
وَيَأْوِي إِلَيْهِ الْخَائِفُونَ لَيَالِيَا
يُغِيثُ الْمَلَاهِيفَ الَّذِينَ تَضَرَّعُوا
وَأَطْعَمَ فِي الْأَزْمَاتِ مَنْ جَاءَ شَاكِيَا
حَلِيمٌ إِذَا مَا الْجَهْلُ أَغْوَى عُقُولَهُمْ
رَأَيْتَ حَصَاةَ الْعَقْلِ فِيهِ رَوَاسِيَا
عَفِيفُ الْخُطَى لَمْ يُدْنِسِ الْعَارُ ثَوْبَهُ
وَعَاشَ نَقِيَّ الْعِرْضِ لِلْمَجْدِ بَانِيَا
كَأَنَّ مُحَيَّاهُ الصَّبَاحُ إِذَا بَدَا
لِيَكْشِفَ مِنْ لَيْلِ الْخُطُوبِ الدَّوَاجِيَا
بَكَتْهُ رِجَالُ الْحَيِّ شِيبًا وَفِتْيَةً
وَنَاحَتْ عَلَيْهِ الْمَكْرُمَاتُ بَوَاكِيَا
وَقَدْ أَوْحَشَتْ مِنْ بَعْدِهِ دَارُ عِزِّهِ
وَأَضْحَتْ مَغَانِيهِ الْحِسَانُ خَوَالِيَا
أَلَا إِنَّ سَهْمَ الْمَوْتِ لَا شَكَّ وَاقِعٌ
يُصِيبُ الْفَتَى لَوْ كَانَ فِي النَّجْمِ عَالِيَا
وَمَا هَذِهِ الدُّنْيَا سِوَى حُلْمِ نَائِمٍ
يُبَدِّدُ شَمْلًا كَانَ بِالْأَمْسِ دَانِيَا
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَى طَيْفَ صَالِحٍ
يُعَانِقُ رُوحِي فِي الْمَنَامِ مُنَاجِيَا
سَيَبْقَى لَهُ ذِكْرٌ مَعَ الدَّهْرِ خَالِدٌ
وَإِنْ غَيَّبَتْ تِلْكَ الرِّمَالُ التَّرَاقِيَا
سَقَى اللَّهُ قَبْرًا ضَمَّ جُثْمَانَ صَالِحٍ
مِنَ الْغَيْثِ هَطَّالًا يَعُمُّ النَّوَاحِيَا
سَأَبْكِيكَ مَا حَنَّتْ رِكَابٌ لِمَنْزِلٍ
وَأَذْكُرُ طِيبًا فِي سَجَايَاكَ زَاكِيَا
سَلَامٌ عَلَى تِلْكَ الْعِظَامِ الَّتِي ثَوَتْ
وَلَقَّاكَ رَبِّي فِي الْجِنَانِ الْأَمَانِيَا
لَعَمْرِيَ مَا عَمِّي وَشِبْلُ عَرِينِهِ
وَخَالِيَ عَنْ صِدْقِ الْمَدَائِحِ نَائِيَا
وَلَا بَلَغَتْ فِيهِمْ قَوَافِي قَصِيدَتِي
وَلَا كَانَ مَدْحِي فِي الثَّنَاءِ بِكَافِيَا
هُمُ عُمْدَةُ الْمَرْءِ الْفَتَى وَعِمَادُهُ
وَرُكْنٌ مَتِينٌ يَدْفَعُ الْخَطْبَ عَاتِيَا
إِذَا نَابَتِ الْأَيَّامُ كَانُوا سُيُوفَهَا
وَحِصْنًا مَنِيعًا لِلنَّوَائِبِ وَاقِيَا
وَلِي مِنَّةٌ فِي الْعُنْقِ لَا أَجْحَدَنَّهَا
لِشَهْمَيْنِ كَانَا فِي الْمُلِمَّاتِ فَادِيَا
فَأُقْسِمُ مَا أَنْكَرْتُ يَوْمًا صَنِيعَهُمْ
وَمَا طَالَ عُمْرِي وَاسْتَدَامَ بَقَائِيَا
وَتَوْفِيقُ نَجْلُ النَّاصِرِ الطَّوْدِ خِيرَةٌ
هُوَ الرَّجُلُ الْمَرْجُوُّ إِنْ قَلَّ حَامِيَا
وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْقَرْمُ يَرْجِعُ أَصْلُهُ
إِلَى بَاوَزِيرَ الصِّيدِ مَجْدًا عَوَالِيَا
وَأُزْجِي عَظِيمَ الشُّكْرِ لِلشَّهْمِ خَالِصًا
كَتَمْتُ حُرُوفَ الاِسْمِ لَمْ أَكُ حَاكِيَا
وَفَضْلُ الْفَتَى بِالاِسْمِ فِي السُّحْبِ ذَائِعٌ
وَمَشْهُورُ مَجْدٍ فِي السَّمَاوَاتِ زَاهِيَا
لَهُ الشُّكْرُ مَا غَارَتْ نُجُومٌ بِأُفْقِهَا
وَمَا لَاحَ ضَوْءُ نَيْزَكٍ شَقَّ دَاجِيَا
هُوَ الرَّجُلُ الْمِفْضَالُ مِنْ بَعْدِ رَبِّنَا
لَهُ الْفَضْلُ كُلُّ الْفَضْلِ كَالْغَيْثِ هَامِيَا
وَمِنِّي عَمِيمُ الشُّكْرِ لِلْقَوْمِ كُلِّهِمْ
أَقَامُوا مَعِي كَالطَّوْدِ فِي الْخَطْبِ رَاسِيَا
سَأَحْفَظُ هَذَا الْوُدَّ مَا ذَرَّ شَارِقٌ
وَمَا عِشْتُ فِي الدُّنْيَا سَأَبْقَى مُوَافِيَا