ليس الحزن طارئًا على الشعر العربي، ولا البكاء غريبًا عن نبرته الأولى؛ فالشعر وُلد من دهشة الفقد، ومن ارتباك الإنسان أمام الزمن، ومن شعوره العميق بأن الحياة تفلت من بين أصابعه كلما حاول الإمساك بها. غير أن بعض التجارب الشعرية لا تكتفي باستضافة الحزن، بل تجعله مقيمًا دائمًا، كائنًا يتضخم في الداخل حتى يغدو عالمًا كاملًا. ومن هذا الباب أقرأ تجربة الشاعر الشاب أسامة الرضي؛ تجربة وجدانٍ يفور حتى يكاد يفيض، وعاطفةٍ تضرب في الأعماق حتى تتحول إلى قدرٍ شعري يصعب الإفلات منه. إنه. شاعر يعزف بالدموع وينزف بالكلمات. واللافت للنظر من الوهلة الأولى هو ذلك التضخم لظاهرة الوجع داخل نسيج القصيدة؛ حيث تتحول مفردات الليل والمساء والسهاد والغرق والحداد والفقد والباب المغلق إلى حقلٍ دلالي متكامل، لا يكتفي بوصف الحزن بل يبني له مملكة كاملة.
يقول في أحد نصوصه:
“بسوق المتعبين أبيع حزني
وأعلن بيع صبري في المزاد”
إنها استعارة لا تصف الألم فحسب، بل تجعله كائنًا يطارد صاحبه ويطبق عليه، في صورة تختزل إحساس الاختناق الوجودي بأبلغ ما يكون..
ولعل سر انتشار بعض مقاطعه انتشار النار في الهشيم يعود إلى هذه الصدقية العاطفية الفائضة؛ فقد كان كلامًا خرج من قلبٍ يتوجع، فتجاوبت معه قلوب موجوعة ونفوس مصدوعة في أنحاء واسعة من العالم العربي.. وما ينتشر بهذه السرعة لا ينتشر بقوة البلاغة وحدها، بل بقوة الشعور الكامن خلف البلاغة.
وفي موضع آخر، يبلغ الإحساس بالضياع ذروته حين يقول:
«ملامحي قريةٌ مهجورةٌ
عمري شمعٌ يذوب ودهري خيطه احترق”.
إنها صورة تختصر تجربة كاملة من الإحساس بالفقد والانطفاء المبكر، حيث يتحول العمر إلى شمع يذوب، والزمن إلى خيط محترق لا يُمسك به. ويبلغ التيه مداه حين تمتد مرارة الشعور إلى الهوية نفسها:
«في بئر برهوت أسمائي معلّقة
بكل ركن تنادي جنّها مزقًا”.
إنه شعور بالضياع لا يقف عند حدود الواقع، بل يطال الاسم والوجود والذاكرة.
وفي نص آخر، تتخذ العاطفة بعدًا صوفيًا حين يقول:
«فألبس الذكرى وشاحًا من دم الحلاج
ثم يصير قلبي مثل محراب
تصلّي فيه أحزان الصبابة والشقاء”.
هنا يلتقي الوجع بالرمز، ويغدو القلب محرابًا، ويصبح الحزن صلاةً ممتدة في الزمن.
إن الشعر في جوهره تعبير عن الشعور، وحين يكون الشعور كثيفًا وصادقًا يصبح الشعر قدرًا لا اختيارًا. ومن يعرف الشاعر عن قرب يدرك أن ما يتفجر في قصائده ليس مجرد موقف فني، بل حالة وجدانية حقيقية تتأجج في داخله كبركانٍ صامت. إننا أمام وجدان دائم الهيجان، لا يعرف السكون إلا قليلًا، ولا يهدأ إلا ليعود أشد اضطرامًا.
ومع حداثة سنه، فإن امتلاكه لهذه الطاقة العاطفية النادرة، وهذا الحس الموسيقي العالي، وهذه القدرة الواضحة على التصوير والخيال، كلها مقومات كفيلة – في تقديري – بأن تجعله من أبرز أصوات جيله؛ فالشاعر يُصنع من عاطفة خصبة، وخيال حيّ، وأذن موسيقية واعية؛ وهي عناصر تتجلى في تجربته بوضوح لافت.
وليس غريبًا أن ينهض الشعر في سن مبكرة؛ فقد عرف تاريخ الأدب العربي ظاهرة «شعراء العشرين»، أولئك الذين أزهرت موهبتهم سريعًا وتركوا أثرًا مبكرًا عميقًا؛ من طرفة بن العبد إلى أبي القاسم الشابي إلى هاشم الرفاعي. وما يجمع هؤلاء لم يكن العمر بقدر ما كان توهج الوجدان وتسارع النضج الشعري.
من هذا الأفق يمكن قراءة تجربة أسامة الرضي بوصفها بداية طريق لا نهايته؛ إرهاصات صوت يتشكل ويبحث عن مداه، ويصوغ ملامحه في مرايا الألم والحنين. وما نراه اليوم ليس اكتمال التجربة، بل بذرتها الأولى وهي تشق طريقها بثقة وسط صخب العاطفة.
وإذا كان الشعر في أحد تعريفاته «وجعًا يتحول إلى جمال»، فإن تجربة هذا الشاعر تمثل صورة مكثفة لهذا التحول؛ وجع يتخذ شكل موسيقى، وألم يتحول إلى صور، ودموع تتجسد قصائد. ومن هنا جاء هذا العنوان: العزف بالدموع؛ عزفٌ لا يزال في بدايته، لكنه يحمل وعدًا كبيرًا.. وعد شاعرٍ يخطو أولى خطواته، وقد سبقته دموعه إلى الطريق.
لقد قلت لأسامة أول مرة أسمعه فيها أنه شاعر كبير، وكلما ازدادت تجربته الشعرية نضجا وتذوقت حلاوة ثمرها ازددت يقينا بأن أسامة الرضي يغرف من نهر الوجدان ويصب في قلوب محبي الشعر.