هِيَ امْرَأَةٌ.
عَلَّمَتْنِي
كَيْفَ أَضِيعُ
فِي خُطْوَتِي،
كُلَّمَا مَشَيْتُ نَحْوِي
انْحَرَفَتِ الطُّرُقُ
وَصَارَتْ قَدَمَايَ
عُصْفُورَيْنِ
يَنْقُرَانِ الضَّبَابَ..
هِيَ امْرَأَةٌ
تُخَبِّئُ فِي شَعْرِهَا
مَجَرَّةً صَغِيرَةً،
وَحِينَ تَمُرُّ
تَتَعَثَّرُ النُّجُومُ
بِأَرِيجِهَا،
أَخَذَتْنِي مِنْ يَدِي
وَأَلْقَتْنِي
فِي جِهَةٍ
لَا يَعْرِفُهَا الْبَحْرُ..
لَا تَرْسُمُهَا
خَرِيطَةٌ
وَقَالَتْ:
هُنَا
يَبْدَأُ الْقَلْبُ،
فَصِرْتُ أَمْشِي
عَلَى سُلَّمٍ
مِنَ الْغِيَابِ
وَأُرَتِّبُ أَسْمَائِي
الْمُنْسَكِبَةَ
فِي جُيُوبِ الرِّيحِ،
وَحِينَ افْتَرَسَتْنِي
الْعَاصِفَةُ،
وَكَانَتِ السَّمَاءُ
تَكْسِرُ أَصَابِعَهَا
فَوْقَ رَأْسِي،
الْتَقَطَتْنِي
مِنْ فَمِ الرِّيحِ..
كَأَنِّي
وَرْدَةٌ
ضَلَّتْ طَرِيقَهَا
إِلَى الْحَدِيقَةِ،
أَعَادَتْنِي
إِلَيَّ
قَطْرَةً
قَطْرَةً
وَخَاطَتْ جُرُوحِي
بِإِبْرَةٍ
مِنَ النَّظَرِ،
ثُمَّ قَادَتْنِي
إِلَى النَّبِيذِ،
إِلَى نَبِيذٍ
مُوَشَّحٍ
بِأَرِيجِهَا
بِوَجْهِهَا
بِغِيَابِهَا،
شَرِبْتُ
فَخَرَجَ وَجْهُهَا
مِنْ جَبِينِ الْقَمَرِ..
شَرِبْتُ،
فَرَأَيْتُ أَصَابِعَهَا
تُمَشِّطُ
حُقُولَ الظَّلَامِ،
شَرِبْتُ
فَتَحَوَّلَ الْوَقْتُ
إِلَى دُخَانٍ أَزْرَقَ
وَتَحَوَّلَتِ الْمَسَافَاتُ
إِلَى أَسْرَابِ فَرَاشٍ،
هُنَاكَ
عَرَفْتُ نَفْسِي،
لَمْ أَجِدْهَا
فِي الْمَرَايَا،
لَمْ أَجِدْهَا
فِي كُتُبِ الْحُكَمَاءِ
لَمْ أَجِدْهَا
فِي صَوْتِي،
وَجَدْتُهَا
مُعَلَّقَةً
عَلَى رَمْشٍ
مِنْ رُمُوشِهَا،
تَتَأَرْجَحُ
بَيْنَ الضَّوْءِ
وَالْحُلْمِ…
كَانَ وَجْهُهَا
يُعَلِّمُنِي
لُغَةَ الْغُيُومِ،
وَكَانَ غِيَابُهَا
يُعَلِّمُنِي
لُغَةَ الْهَاوِيَةِ
إِذَا حَضَرَتْ
امْتَلَأَ الْفَضَاءُ
بِالْعَنَاقِيدِ،
وَإِذَا غَابَتْ
صَارَ الْكَوْنُ
كَأْسًا مَكْسُورَةً
تَنْزِفُ
نَبِيذَهَا
فِي الْعَدَمِ..
يَا أَيَّتُهَا
الَّتِي جَعَلَتْ
مِنْ ضَيَاعِي
بُوصَلَةً
وَمِنْ سُقُوطِي
جَنَاحًا
وَمِنْ رِيحِي
مَرْسًى،
مَا زِلْتُ أَمْشِي فِيكِ
كَمَا يَمْشِي الْحُلْمُ
فِي دَمِ النَّائِمِ،
وَمَا زِلْتُ أَشْرَبُ
مِنْ غِيَابِكِ
حَتَّى الثَّمَالَةِ،
فَأَنْتِ
لَسْتِ امْرَأَةً
أَنْتِ
الْمَمَرُّ السِّرِّيُّ
بَيْنَ الرِّيحِ
وَالْوَرْدَةِ..
وَأَنْتِ
الْجُرْحُ
الَّذِي
كُلَّمَا انْفَتَحَ
أَزْهَرَ..
وَكَانَ اسْمُكِ
يَعْبُرُنِي،
لَا كَلِمَةً
لَا صَوْتًا
بَلْ نَهْرًا
يُغَيِّرُ مَجْرَاهُ
فِي دَمِي،
أُنَادِيكِ
فَتَتَّسِعُ الْمَسَافَةُ
بَيْنَ حَرْفٍ
وَحَرْفٍ
وَيَخْرُجُ مِنْ فَمِي
سَرَابٌ
مِنَ الْيَاسَمِينِ..
أُنَادِيكِ
فَتُفْتَحُ نَوَافِذُ
لَمْ تَكُنْ
فِي الْجِدَارِ،
وَتَدْخُلُ الْعَصَافِيرُ
إِلَى الْمَعْنَى،
كُنْتِ
تُبَدِّلِينَ جِلْدَ الْأَشْيَاءِ،
فَالتُّفَّاحَةُ
عِنْدَكِ
لَيْسَتْ تُفَّاحَةً
وَالْمَاءُ
لَيْسَ مَاءً
وَاللَّيْلُ
لَيْسَ لَيْلًا،
كُلُّ شَيْءٍ
كَانَ يَخْرُجُ
مِنْ مَعْنَاهُ
وَيَدْخُلُ
فِي جَسَدِكِ..
حَتَّى أَنَا
خَرَجْتُ مِنِّي
وَدَخَلْتُ
فِي ظِلِّكِ،
صِرْتُ
أَرَى بِعَيْنَيْكِ
وَأَضِيعُ
بِخُطْوَتَيْكِ
وَأَحْلُمُ
بِالنَّوْمِ
الَّذِي يَنَامُ
فِي جَفْنَيْكِ…
وَكُلَّمَا
اقْتَرَبْتُ مِنْكِ
ابْتَعَدْتِ،
اتِّسَاعًا،
كَأَنَّكِ
أُفُقٌ
يَخْتَرِعُ أُفُقًا آخَرَ
وَكُلَّمَا
ابْتَعَدْتُ عَنْكِ
وَجَدْتُكِ
أَقْرَبَ
مِنْ نَبْضِي..
كُنْتِ
تَزْرَعِينَ الْغِيَابَ
فِي الطَّاوِلَةِ،
فَيُورِقُ،
تَزْرَعِينَ الْغِيَابَ
فِي الْمِرْآةِ،
فَيُزْهِرُ،
تَزْرَعِينَ الْغِيَابَ
فِي الْقَلْبِ،
فَيُثْمِرُ نُجُومًا..
لَمْ أَخَفْ
مِنْ رَحِيلِكِ،
كُنْتُ أَعْرِفُ
أَنَّ الْوَرْدَةَ
لَا تَمُوتُ
حِينَ تَغِيبُ عَنْ غُصْنِهَا،
وَأَنَّكِ
حِينَ تَغِيبِينَ
تَنْتَشِرِينَ
فِي الْهَوَاءِ
فِي الْأَشْيَاءِ
فِي الْكَلِمَاتِ
فِي صَمْتِي،
حَتَّى إِنِّي
أَحْيَانًا
أَلْمَحُكِ
فِي تَجَعُّدِ الْمَاءِ
فِي ارْتِبَاكِ الْقَمَرِ
فِي نُعَاسِ الْحَدَائِقِ..
وَأَسْمَعُكِ
وَأَنْتِ تَمُرِّينَ
فِي عِرْقِ الرِّيحِ
كَأَنَّ الْكَوْنَ
كُلَّهُ
لَمْ يَعُدْ
سِوَى أَثَرٍ
لِخُطْوَتِكِ،
وَكَأَنِّي
مُنْذُ عَرَفْتُكِ
لَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ
عَنْكِ
بَلْ أَبْحَثُ
عَنِّي
فِي الْمَكَانِ
الَّذِي تَرَكْتِ فِيهِ
يَدَكِ
عَلَى رُوحِي..
أنَا ،
لَا أُحِبُّكِ
أُحِبُّكِ
كَمَا يُحِبُّ الْمَنْفَى
آخِرَ خَرِيطَةٍ
تُشْبِهُ الْوَطَنَ،
أَنْتِ لَسْتِ وَجْهًا
مَرَّ فِي عُمْرِي،
أَنْتِ
الْعُمْرُ
حِينَ مَرَّ
فِي وَجْهِي
وَمَا عُدْتُ أَعْرِفُ
أَيُّنَا يَحْمِلُ الْآخَرَ
أَنَا فِيكِ؟
أَمْ أَنْتِ فِيَّ؟
أَمْ أَنَّنَا
سَقَطْنَا مَعًا
فِي بِئْرٍ وَاحِدَةٍ
اسْمُهَا الْعِشْقُ؟..
مُنْذُ عَرَفْتُكِ
وَالْأَشْيَاءُ
تُبَدِّلُ أَسْمَاءَهَا،
الزَّهْرُ
يَسْتَعِيرُ اسْمَكِ،
وَالْمَطَرُ
يَسْتَعِيرُ اسْمَكِ،
وَاللَّيْلُ
يَخْلَعُ سَوَادَهُ
وَيَرْتَدِي اسْمَكِ،
حَتَّى الْغِيَابُ
لَمْ يَعُدْ غِيَابًا
بَعْدَكِ،
صَارَ شَكْلًا آخَرَ
مِنْ أَشْكَالِ الْحُضُورِ..
أُصْغِي إِلَى صَمْتِكِ
فَأَسْمَعُ الْبُحُورَ،
وَأَنْظُرُ فِي بُعْدِكِ
فَأَرَى الْمَجَرَّاتِ،
وَأَلْمَسُ أَثَرَكِ
فِي الرُّوحِ
فَأَجِدُ غَابَةً
مِنَ الْمَعَانِي..
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ
الَّتِي جَعَلَتْ
مِنَ الضَّيَاعِ مِهْنَةً لِلْقَلْبِ،
وَمِنَ الْحُلْمِ
جِهَةً لِلْمَشْيِ
وَمِنَ الْغِيَابِ
سَلَّمًا إِلَى الضَّوْءِ
لَوْ خُيِّرْتُ
بَيْنَ الْوُصُولِ إِلَيْكِ
وَبَيْنَ التِّيهِ فِيكِ
لَاخْتَرْتُ التِّيهَ،
فَالْوُصُولُ
نِهَايَةٌ
وَأَنْتِ
لَا نِهَايَةَ لَكِ
أَنْتِ بَدَايَةٌ
كُلَّمَا بَلَغْتُهَا
ابْتَدَأَتْ مِنْ جَدِيدٍ..
سَأَبْقَى أَمْشِي،
أَحْمِلُ قَلْبِي
كَفَانُوسٍ فِي الْعَاصِفَةِ،
وَأَحْمِلُ اسْمَكِ
كَنَجْمٍ
ضَلَّ عَنْ سَمَائِهِ
فَسَكَنَ دَمِي،
وَإِذَا سَأَلَنِي أَحَدٌ
يَوْمًا:
مَنْ هِيَ؟
لَنْ أَقُولَ:
امْرَأَةٌ
سَأَقُولُ:
هِيَ الْخَطْوَةُ
الَّتِي أَضَاعَتْنِي،
وَهِيَ الْيَدُ
الَّتِي أَعَادَتْنِي،
وَهِيَ النَّبِيذُ
الَّذِي كُلَّمَا ارْتَوَيْتُ مِنْهُ
ازْدَدْتُ ظَمَأً،
وَهِيَ الْغِيَابُ
الَّذِي لَمْ يَكُفَّ
عَنْ مُعَانَقَتِي..
وَإِذَا كَانَ لِلْعِشْقِ
صُورَةٌ أَخِيرَةٌ
قَبْلَ أَنْ يَنْطَفِئَ الْكَوْنُ،
فَإِنِّي أَرَاهَا الْآنَ:
وَجْهُكِ…
يَصْعَدُ هَادِئًا
مِنْ رَمَادِ الْأَيَّامِ،
وَيُضِيءُ
مَا تَبَقَّى
مِنِّي….. عرض أقل